رغم أن المنشور طويل، إلا أنني أنصح بقراءته كاملًا لأهميته؛ فهو يطرح تساؤلات تستحق النقاش حول التحكيم والـVAR وشفافية القرارات في كرة القدم الحديثة.بين القرار والشفافية: قراءة في جدل تحكيم مباراة مصر والأرجنتين والـVAR تابعتُ مباراة مصر والأرجنتين في كأس العالم، وأرى أن الجدل التحكيمي الذي رافقها يستحق وقفة هادئة ومتأنية، ليس بهدف إصدار أحكام مسبقة، وإنما لمحاولة فهم مدى اتساق المعايير التي تُطبَّق في القرارات الحاسمة.بدأ الجدل بعد قرار غرفة تقنية الفيديو (VAR) بإلغاء هدف مصري، إثر العودة إلى بداية هجمة شهدت احتكاكًا بين مروان عطية ولاعب الأرجنتين، حيث اعتبرت غرفة الفيديو أن هناك خطأ واضحًا ومؤثرًا سبق تسجيل الهدف.وفي المقابل، تساءل كثيرون عن سبب عدم تطبيق المعيار نفسه على هدف الأرجنتين الثالث، خاصة مع وجود احتكاك أثار الجدل مع محمد صلاح قبل انطلاق الهجمة التي انتهت بالتسجيل، وهو ما فتح نقاشًا واسعًا حول مدى اتساق تدخل التقنية في الحالات المتشابهة.
أولًا: إشكالية معيار تدخل الـVAR
من الناحية التحكيمية، يملك الـVAR صلاحية التدخل في حالات الأهداف إذا اكتشف خطأ واضحًا في مرحلة بناء الهجمة المؤدية إلى الهدف، بشرط أن يكون الخطأ مؤثرًا في مسار اللعب.لكن الإشكالية الحقيقية تكمن في تفسير مفهوم "الخطأ المؤثر".ففي حالة هدف مصر، رأت غرفة الفيديو أن الاحتكاك السابق يستوجب العودة وإلغاء الهدف، بينما لم ترَ في حالة محمد صلاح ما يستدعي التدخل. وهنا ظهر التساؤل لدى كثير من المتابعين: هل تم تطبيق المعيار نفسه في الحالتين؟ فالخلاف لم يكن فقط حول القرار ذاته، بل حول حدود تدخل التقنية: هل أصبحت أحيانًا تعيد تقييم قرارات تقديرية كان من الأفضل أن تبقى ضمن سلطة الحكم داخل الملعب؟ أم أنها تقوم بالدور الذي أُنشئت من أجله في تصحيح الأخطاء المؤثرة؟
ثانيًا: الشفافية وثقة الجماهير
أدرك أن عدم تدخل الـVAR في لقطة محمد صلاح لا يعني بالضرورة وجود مخالفة تم تجاهلها، فقد تكون غرفة الفيديو قد رأت أن الاحتكاك لا يصل إلى درجة الخطأ الواضح وفق البروتوكول المعتمد.لكن الإشكالية الأكبر، في رأيي، تكمن في غياب التفسير الكافي للجمهور حول أسباب اختلاف التعامل مع الحالات المتشابهة.فالعدالة في الرياضة لا ترتبط فقط بصحة القرار، بل أيضًا بقدرة الجهات المسؤولة على شرح أسباب اتخاذه، حتى يشعر الجميع بأن المعيار واحد على جميع الفرق.ومع انتشار بعض الآراء قبل المباراة التي تحدثت عن صعوبة مواجهة منتخب بحجم الأرجنتين وقوة المؤسسات الرياضية الكبرى، ازدادت حساسية الجمهور تجاه أي قرار مثير للجدل. ومع ذلك، لا توجد أدلة تثبت أن نتيجة المباراة كانت موجهة، لكن تراكم القرارات غير المفهومة أو غير المشروحة قد يؤثر في ثقة المتابعين بمنظومة التحكيم.ولهذا فإن زيادة الشفافية في عمل الـVAR، بما في ذلك توضيح أسباب القرارات الكبرى بعد المباريات، أصبحت حاجة أساسية لحماية مصداقية اللعبة.
ثالثًا: كرة القدم الحديثة بين المال والمصالح والحاجة إلى الشفافية
لا يمكن فصل هذا النقاش عن التطورات الكبيرة التي تشهدها كرة القدم الحديثة، حيث أصبحت اللعبة مرتبطة بصناعة اقتصادية ضخمة تشمل حقوق البث، والرعايات، وسوق المراهنات العالمي.وجود هذه المصالح يجعل الحاجة إلى الرقابة والوضوح أكبر، خصوصًا أن تاريخ كرة القدم شهد بالفعل حالات محدودة من التلاعب والفساد، وهو ما يفرض على المؤسسات الرياضية مسؤولية مضاعفة لحماية صورة اللعبة.كما أن بعض الأحداث خارج الملعب تفتح بابًا للنقاش حول تأثير النفوذ والعلاقات على القرارات الرياضية، مثل قضية إلغاء إيقاف لاعب أمريكي بعد مراجعة القرار في ظروف أثارت نقاشًا إعلاميًا واسعًا.حتى عندما يكون القرار ضمن الصلاحيات القانونية للجهات الرياضية، يبقى السؤال مشروعًا: هل يحصل الجميع على فرص المراجعة والدفاع عن حقوقهم بالمعيار نفسه، أم أن قوة المنتخب أو حجم الشخصيات المؤثرة قد يؤثران في سرعة معالجة بعض القضايا؟ وعندما تتزامن قرارات تحكيمية مثيرة للنقاش مع بيئة كروية تحكمها مصالح اقتصادية ضخمة، فإن الحاجة إلى الشفافية تصبح أكبر؛ ليس لأننا نفترض وجود خطأ متعمد، بل لأن الثقة تحتاج دائمًا إلى ما يحميها.
الخلاصة: العدالة لا تكفي وحدها… بل تحتاج إلى وضوح في النهاية، لا أرى أن حادثة مباراة مصر والأرجنتين وحدها تثبت وجود تلاعب أو توجيه للنتيجة، لكنها تكشف حاجة حقيقية إلى مزيد من الوضوح في طريقة تطبيق التقنية. فالجدل لم يكن حول قرار واحد فقط، بل حول أسئلة أكبر:
· هل تُطبَّق معايير الـVAR بنفس الطريقة على الجميع؟
· هل يحتاج الجمهور إلى تفسير أكبر للقرارات الحاسمة؟
· وكيف تستطيع كرة القدم الحديثة الحفاظ على الثقة في ظل تضخم المصالح المرتبطة بها؟
إن تطوير نظام الـVAR لا يتطلب فقط تحديث التكنولوجيا، بل يحتاج أيضًا إلى معايير أكثر وضوحًا، وشفافية أكبر، وآليات تواصل تشرح للجمهور لماذا اتُخذ القرار.فكرة العدالة في كرة القدم لا تتحقق فقط عندما يكون القرار صحيحًا، بل عندما يقتنع الجميع بأن الطريق الذي أوصل إليه كان واضحًا وعادلًا.ومباراة مصر والأرجنتين كانت مثالًا حيًا على التحدي الذي تواجهه كرة القدم الحديثة: كيف تحقق العدالة، وكيف تقنع الجماهير بأنها تحققت؟