بقلم / امل كاتب 

في زمن تتكاثر فيه الاوجاع وتضيق فيه مساحات الامل تظل الرياضة في اي وطن نافذة مشرعة على الحلم وملاذا اخيرا للشباب حين تخذلهم الطرق الاخرى. غير ان هذه النافذة في واقعنا اليمني باتت مكسورة الزجاج يتسرب منها الغبار اكثر مما يدخل الضوء فيما يقف الاعلام الرياضي الا من رحم ربك متفرجا او شريكا في تعميق الشروخ بدل ترميمها...ملاعبنا تئن تحت وطاة الاهمال مدرجات خاوية الا من الصمت واندية عريقة بالكاد تجد ما يسد رمق انشطتها. لاعبون يتدربون بروح عالية وامكانات شحيحة واداريون يصارعون العجز قبل الخصوم وجماهير تبتلع خيباتها موسما بعد اخر. في مثل هذا المشهد المثقل بالاسى كان يفترض ان يكون القلم الرياضي مشرطا جراحيا يفتح الملفات المغلقة ويضع الاصبع على الجرح ويطالب بالاصلاح بلا مواربة. لكنه في حالات مؤسفة انحرف عن مساره وانشغل بتلميع الاشخاص عوض مساءلة المنظومة وبمديح الافراد بدل الدفاع عن القضايا....تحولت بعض الاعمدة الرياضية من منصات للنقد المسؤول الى ساحات للثناء المفرط تفرش فيها الكلمات كما تفرش السجاد الاحمر ويصاغ فيها المديح بلغة اقرب الى القصائد الاحتفالية منه الى التحليل الموضوعي. صار القارئ يطالع اشادات متكررة وعبارات تضخيم لا تتناسب مع واقع يئن وكأن الرياضة الوطنية قد بلغت ذروة مجدها ولم يبق الا التغني بالاشخاص وتعداد الانجازات التي لا تنعكس على الارض ولا يشعر بها الشارع الرياضي....الاخطر من ذلك ان بعض الاقلام التي عرفت يوما برصانتها وجراتها انجرفت الى منطقة رمادية حيث تختلط المهنية بالمصلحة ويتراجع الواجب امام الاغراء....هناك من استبدل هموم الاف الرياضيين بمقالات احتفائية وتناسى اندية في القرى والمدن البعيدة لا تجد ثمن ادوات التدريب وانشغل بفعاليات لا تمت بصلة مباشرة الى تطوير اللعبة او معالجة ازماتها البنيوية. وحين تتكرر هذه الظاهرة لا يعود الامر اجتهادا فرديا بل يتحول الى نمط يهدد جوهر الرسالة الاعلامية.

الصحافة ليست وظيفة عابرة ولا وسيلة لطرق ابواب اصحاب النفوذ بل مسؤولية اخلاقية قبل ان تكون مهنة. الكلمة امانة واذا فقدت الصحافة قدرتها على النقد والمساءلة فقدت مبرر وجودها كسلطة رقابية معنوية. ليس المطلوب خصومة مع احد ولا تصفية حسابات بل توازن عادل: ان يذكر الانجاز حين يتحقق وان ينتقد الخلل حين يظهر وان تبقى البوصلة دائما باتجاه المصلحة العامة لا نحو جيوب ضيقة او حسابات شخصية.

من المؤلم ان يشعر القارئ بان بعض المقالات اقرب الى بيانات علاقات عامة منها الى تحليل رياضي. ومن المؤسف ان تتحول صفحات الرياضة الى مساحة دعائية فيما قضايا المنتخبات وتطوير البنية التحتية وتاهيل الكوادر ورعاية المواهب تظل على الهامش.الرياضة ليست مهرجانا عابرا ولا صورة تذكارية بل مشروع بناء طويل النفس يحتاج الى شفافية ومحاسبة واستراتيجية واضحة.

لا يمكن للرياضة اليمنية ان تنهض في ظل اعلام يكتفي بالتصفيق. النهوض يبدا من الاعتراف بالمشكلة ومن الجرأة على طرح الاسئلة الصعبة: اين تذهب الموارد؟ لماذا تتراجع النتائج؟ ما خطط التطوير؟ من يحاسب المقصر؟ هذه الاسئلة ليست عداء لاحد بل هي الطريق الوحيد لتصحيح المسار. الاعلام الذي يخشى السؤال يساهم من حيث يدري او لا يدري في ادامة الخلل.

ان الكرامة المهنية لا تقاس بحجم الثناء الذي نمنحه بل بقدرتنا على قول الحقيقة حين تكون مرة. والتاريخ لا يحتفظ باسماء المصفقين طويلا بل يخلد من وقفوا مع المبدا ودافعوا عن المصلحة العامة وكتبوا بضمير حي حتى لو خالفوا التيار....قد يصمت القارئ احيانا لكنه ليس غافلا وذاكرته اطول مما يظن البعض...ما احوجنا اليوم الى اعلام رياضي يستعيد عافيته ويعود الى صف الشباب الحالمين لا الى موائد العابرين. 

اعلام يرى في كل ملعب مهمل قضية وفي كل موهبة معطلة قصة تستحق ان تروى وفي كل اخفاق جرس انذار لا مناسبة للتبرير. فحين يستقيم القلم تستقيم معه كثير من المسارات

 وحين يتحرر من الارتهان يصبح شريكا حقيقيا في صناعة الامل....ستظل الرياضة حلما جميلا في وجدان اليمنيين مهما اشتدت العواصف. لكن هذا الحلم يحتاج الى من يحرسه بصدق لا الى من يستهلكه في قصائد المديح. والقلم الذي يختار ان يبحر عكس التيار دفاعا عن الحقيقة قد يواجه الموج وحده لكنه وحده ايضا من يصل الى شاطئ الاحترام.