حكاية يرويها لكم / محمد الحسني

حملت اوراقي ... و يممت وجهي نحو التاريخ الرياضي..التاريخ الذي تختبي في صفحاته حكايات النجوم ، و تنام بين سطوره ذكريات الامجاد ، وتبقى في زواياه أصوات الجماهير و صرخات المعلقين و قفت أمام التاريخ متسائلا ..— ماذا عن المكلا؟ ماذا تحمل في صفحاتك عن تلك المدينة التي تسكن القلب، وتطل من شرفات الذاكرة كأنها لوحة رسمها البحر وعانقها الجبل؟ تنهد التاريخ، وأخذني معه إلى هناك...— انظر جيدا ... أترى جبل المكلا وهو يعانق السماء، ويطل على المدينة كحارسٍ أمين يحرس أسرارها وحكايات أهلها؟ أترى البيوت البيضاء التي تتكئ على سفوح الجبل، و النوافذ المصنوعة من الخشب المنحوت المغطى بقماش التترون الذي يزين نوافذها، فيحكي عن مدينةٍ ألفت البحر، وصادقت الريح، وتعلمت من الموج الصبر و من الجبل القوة ؟أترى تلك الحواري والأزقة التي كانت تضج بأصوات الأطفال، وتجمع الجيران على المحبة، وتختزن بين جدرانها أحلام الصغار؟ هناك، بين البيوت البيضاء والأبواب الخشبية، وفي الحواري التي كانت ملاعب صغيرة قبل أن تكون طرقا ضيقة، نشأت حكايات كثيرة.هناك، كان الصغار يركضون خلف الكرة، ويحلمون بيومٍ يرتدون فيه قميص الأخضر المكلاوي ، ويقفزون من فرط الفرح حين يسمعون أسماء نجومهم تتردد في الملاعب.وهناك أيضا، بدأت حكاية حارس من أبناء المكلا.. اسمه محمد خميس مقرم.رددت متسائلا ..— أهذا هو مقرم الذي كان المعلق الراحل سالم بن شعيب يهتف باسمه ذات مباراة : الله عليك يامقرم !؟ فأجابني:— نعم، هو أحد أبناء ذلك الزمن، وأحد الذين ارتبطت أسماؤهم بذاكرة الأخضر المكلاوي.قلت :— حدثني عنه.. من أين بدأ؟إجابني ..— ولد محمد خميس عمر مقرم في المكلا عام 1960م، وكانت بدايته مع كرة القدم من فريق الأحرار بحي الحارة، أحد الفرق الشعبية التابعة لنادي المكلا. تخيل ذلك المشهد...طفل من أبناء المدينة، يعيش تفاصيلها، ويعرف حواريها، وتكبر في داخله محبة الكرة يوما بعد آخر. لم يكن يعلم، وهو يركض خلفها في بداياته، أن اسمه سيصبح يوما جزءا من حكايات النادي، وأن صوته سيغيب عن الحياة، بينما ستظل الجماهير تستعيد مواقفه وتألقه.كان فريق الأحرار أكثر من مجرد فريق شعبي؛ فقد ضم في صفوفه لاعبين أصبحوا لاحقا من نجوم نادي المكلا ومنتخب حضرموت.ومن ذلك المحيط الكروي، بدأ مقرم يخطو خطواته الأولى نحو عالم الأضواء.سألت التاريخ:— وهل طال انتظاره حتى وصل إلى الفريق الأول؟ اكمل قائلا : لعب مقرم مع فريق الشباب بنادي المكلا، وحقق معه بطولة دوري الشباب لكرة القدم، إلى جانب كوكبة من اللاعبين، منهم خالد مخير، وفؤاد رمضان، وأحمد باسالم، وعبده الناخبي، وناصر بامدهاف، وفادي باخريبة، ودرويش نصر، وجمال باعثمان، وخالد الناخبي، ومحمد بارحيم، وعوض بكير "شحته"، وأبوبكر خرد، وعادل بن يمين، وناصر الناخبي، وغيرهم من نجوم ذلك الجيل.وفي عام 1979م، اختير لتمثيل المنتخب المدرسي لمديرية مدينة المكلا، قبل أن يشق طريقه إلى الفريق الأول لنادي المكلا.وهناك، بين الكبار، بدأت فصول أخرى من حكايته ، حكاية حارسٍ سيقف طويلا أمام المهاجمين، ويجعل من مرماه منطقة يصعب الوصول إليها.قلت له، وكأنني أراه واقفا أمامي بقميص الحراسة:— يا مقرم، كيف استطعت أن تصنع لنفسك مكانا في ذاكرة الجماهير؟ وتخيلت أن مقرم ابتسم، ثم قال:— يا عزيزي ، لم تكن كرة القدم يومها مجرد مباراة تنتهي بصافرة الحكم. كانت انتماء، ومحبة ووفاء للقميص الذي نرتديه. كنا نلعب من أجل النادي، ومن أجل تلك الجماهير التي تمنحنا من قلوبها أكثر مما تطلب منا.كان مقرم، بحسب ماترويه سيرته، يتمتع بالمرونة والقدرة على القفز والتصدي للكرات الصعبة، رغم ضخامة جسمه وقصر قامته. وكان محبوبا بين زملائه، صاحب نكتة وروح مرحة، يجمع بين الجدية في الملعب وخفة الظل خارجه.وتخيلته يضيف:— لم تكن السعادة في التصدي لكرة فحسب، بل في رؤية زملائي يبتسمون، والجمهور يفرح، واسم المكلا يعلو في المدرجات.قاطعت الحوار وسألت:— وهل حملت مسيرتك مواجهات بقيت في الذاكرة؟فأجابني التاريخ:— نعم، ففي عام 1981م، اختير مقرم ضمن منتخب ضم لاعبين من نادي المكلا ونادي الشرطة، بقيادة المدرب يسلم خميس بامؤمن "شيبوب"، لمواجهة الفريق الروسي الزائر لمحافظة حضرموت.انتهت المباراة بفوز الفريق الروسي بثلاثة أهداف مقابل هدفين، لكنها بقيت واحدة من المحطات التي شهدتها مسيرة مقرم والجيل الذي عاصره.قلت للتاريخ:— لكنني سمعت أن لمقرم يوما لا ينسى أمام شمسان! فأجابني:— أجل، إنها واحدة من الحكايات التي تستحق أن تروى.في مواجهة نادي المكلا ونادي شمسان، تألق مقرم في التصدي لضربات الجزاء، وأسهم في تأهل فريقه ( المكلا ) إلى نهائي كأس الجمهورية في موسم 1983/1984م.تخيلت الملعب في تلك اللحظات...الأنظار تتجه إلى المرمى، والقلوب تخفق، والمهاجم يستعد للتسديد، والحارس يراقب الكرة، ثم ينطلق في اللحظة المناسبة! يا لها من لحظة يعيشها الحارس بكل جوارحه؛ فاما فرحة تعانق المدرجات، وإما كرة تعبر خط المرمى وتترك الحسرة في النفوس.لكن مقرم كان له حضوره في تلك المواجهة، فكان أحد أبطال العبور إلى النهائي. نهائي كأس الجمهورية.. حين اقترب الحلم سألت التاريخ:— وهل اكتملت الحكاية بالتتويج؟ فقال:— ليس كل من اقترب من الحلم ناله، لكن بعض الخسارات تظل جزءا من الأمجاد.واجه المكلا نادي الوحدة في المباراة النهائية لموسم 1983/1984م، وتقدم بهدفين دون مقابل في الشوط الأول، قبل أن تنتهي المباراة بخسارته بثلاثة أهداف مقابل هدفين. لم يُكتب للأخضر المكلاوي التتويج في تلك الأمسية، لكن ذلك الجيل ظل حاضرا في ذاكرة النادي، بما امتلكه من مواهب وإصرار، وبما قدمه من مباريات وحكايات لا تزال تستعاد حتى اليوم. "الله عليك يا مقرم " .. هنا توقفت قليلا، وقلت للتاريخ:— وماذا عن المعلق الراحل سالم بن شعيب؟ أكان حقا يهتف بهذه العبارة؟ ابتسم التاريخ، وقال:"الله عليك يا مقرم"تلك العبارة الشهيرة التي ارتبطت بتألق الحارس الراحل، وكان يرددها المعلق الرياضي الراحل سالم بن شعيب حين يشاهد مقرم يتصدى للكرات الصعبة وضربات الجزاء.وحين استحضرت العبارة، خيل إلي أنني أسمع صوت المعلق من جديد، وأنني أرى المدرجات وهي تتفاعل، والجماهير وهي تنتظر، والحارس وهو يقف بين الخشبات الثلاث.قلت لمقرم، في حواري المتخيل معه:— أتدري يا كابتن أن عبارة واحدة قد تعيش أطول من أعمار أصحابها؟ وكأن صوته جاءني من بعيد:— إذا بقيت المحبة، بقيت الذكرى. وإذا حفظ الناس حكايات من أحبوا، فلن يرحل الإنسان تماما.قلت للتاريخ :— ومتى غادرنا مقرم؟ فأجابني بصوت خافت: — في يوم الخميس، 18 أكتوبر 2012م، رحل محمد خميس مقرم عن هذه الدنيا.صمت قليلا..لقد رحل الجسد، لكن الحكاية بقيت؛ بقيت في ذاكرة زملائه، وفي وجدان الجماهير، وفي تاريخ نادي المكلا، وفي كل قلبٍ عرف قيمة الوفاء لرجال الأمس. من المكلا إلى مقرم.. ومن مقرم إلى التاريخ أغلقت أوراقي قليلا، ثم عدت أسأل التاريخ:— هل تنتهي الحكايات برحيل أصحابها؟فأجابني:— لا يا عزيزي ، تنتهي حياة الإنسان، أما أثره فقد يمتد إلى أجيالٍ لا تعرفه إلا من خلال ما يروى عنه.ثم أضاف:— لا تدع أسماء هؤلاء الرجال تسقط من الذاكرة. اكتب عنهم، واسأل من عاصروهم، واحفظ حكاياتهم، فالأندية لا تصنع أمجادها بالشعارات وحدها، بل برجالٍ يخلصون لها، ويمنحونها من أعمارهم وجهدهم ومحبتهم.وهكذا، عدت من رحلتي إلى التاريخ، وفي يدي حكاية حارسٍ من أبناء المكلا، بدأت رحلته من فريق الأحرار بحي الحارة، ومرت بفريق الشباب والفريق الأول، وانتهت رحلته الدنيوية، لكن اسمه ظل حاضرا في ذاكرة الأخضر المكلاوي.رحم الله الكابتن محمد خميس مقرم، ورحم الله المعلق سالم بن شعيب، ورحم الله نجوم الزمن الجميل الذين صنعوا للمكلا أمجادا لا تنسى.اللهم اغفر لمقرم وارحمه، وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة، واجعل ما قدمه من عطاء وأثر طيب في ميزان حسناته.والى ان نلتقي باذن الله تعالى في حكاية أخرى من #دفتر_الاخضر المكلاوي التي توثق حكايات صناع امجاد الأخضر المكلاوي .. دمتم بود وعافية ،،،