بين العشب الصناعي والتصحر الرياضي.. هل نحتاج إلى إصلاح الملعب أم إصلاح الرؤية؟
المشاهير sport _ خاص
02 يونيو 2026 1 دقائق قراءة
بين العشب الصناعي والتصحر الرياضي.. هل نحتاج إلى إصلاح الملعب أم إصلاح الرؤية؟
✍️ ماجد الإرياني
في محافظة إب، التي ارتبط اسمها بالخضرة والمطر والجمال الطبيعي حتى استحقت لقب "اللواء الأخضر"، يبرز نقاش رياضي يستحق التوقف عنده طويلاً. فالمسألة لم تعد مجرد قرار يتعلق بزراعة ملعب نادي شعب إب بالعشب الصناعي أو الإبقاء على الملعب ترابي متصحر، بل أصبحت قضية ترتبط بمفهوم التخطيط الرياضي نفسه، وبكيفية إدارة الموارد المحدودة للأندية والمنشآت الرياضية.ومن حق الرياضيين والجماهير أن يتساءلوا: ما الذي تحتاجه أندية إب فعلاً؟ وهل الأولوية تكمن في تغيير نوعية العشب، أم في بناء منظومة رياضية متكاملة قادرة على خدمة الأندية لعقود قادمة؟حين نتأمل طبيعة محافظة إب ومناخها وأمطارها وتربتها الزراعية، نجد أن العشب الطبيعي ليس ترفاً صعب المنال، بعد تعشيب ملعب 22 مايو بالعشب الطبيعي من منتجع إب السياحي وبتد أن كان حلم غير منطقي.اليوم اصبح هذا الحل خياراً منطقياً يتوافق مع البيئة المحلية. كما أن وجود الكفاءات الزراعية والمهندسين الزراعيين في المحافظة يتيح إمكانية تطوير ملاعب ذات جودة عالية إذا ما توفرت الإدارة العلمية والصيانة الدورية والتخطيط السليم.ولذلك يظل السؤال قائماً: لماذا لا يتم الاستفادة من هذه المزايا الطبيعية في تطوير ملاعب طبيعية نموذجية بدلاً من اللجوء إلى حلول قد لا تحقق القيمة الفنية المرجوة للاعبين وفي ضل ثقافة الملاعب المعشبة بالعشب والنجيل الصناعي والذي له اضرار عدم تطوير مهارات اللاعبين وعدم الأحساس العالي بالكرة وكثرة الاصابات الرياضية؟غير أن القضية الأهم من أرضية الملعب نفسها هي قضية المنشآت الرياضية والاستثمار الرياضي.ففي الوقت الذي تعاني فيه الأندية من محدودية الموارد المالية، يبرز تساؤل مشروع حول غياب المشاريع الإنشائية والاستثمارية المصاحبة للمنشآت الرياضية، وخاصة في عدم توفر مدرجات لملعب شعب إب ونادي الاتحاد الرياضي بإب، أحد أعرق أندية المحافظات اليمنية وأكثرها حضوراً في الذاكرة الرياضية الوطنية.لماذا لا يتم استغلال المساحات المتاحة في محيط ملعب النادي لإنشاء منشآت رياضية واستثمارية حديثة؟ولماذا لا تتجه الجهود نحو بناء أكاديميات للناشئين، وصالات متعددة الأغراض، ومراكز تدريب وتأهيل، ومحلات استثمارية ومرافق خدمية تدر دخلاً دائماً للنادي وتساعده على تمويل أنشطته وبرامجه الرياضية؟إن الأندية الحديثة في العالم لم تعد تعتمد فقط على الدعم الحكومي أو الهبات الموسمية، بل أصبحت تعتمد على اقتصاد رياضي متكامل يقوم على الاستثمار المستدام وتحويل الأصول الرياضية إلى موارد مالية منتجة.ومن هنا تبرز أهمية التخطيط الهندسي المتكامل للمنشآت الرياضية.فالمشكلة التي واجهت كثيراً من المنشآت الرياضية في اليمن خلال العقود الماضية لم تكن دائماً في نقص الأموال، بل في غياب الرؤية الشاملة والتخطيط الاستراتيجي طويل الأمد. وقد أدى ذلك إلى ظهور منشآت متفرقة ومشاريع غير مترابطة، وتنفيذ أعمال إنشائية لا تنسجم مع الاحتياجات المستقبلية للأندية، الأمر الذي تسبب في هدر الموارد وتكرار أعمال الترميم والتعديل والهدم وإعادة البناء.إن الأندية النموذجية لا تُبنى بالقرارات المرتجلة، وإنما تُبنى عبر مخططات هندسية متكاملة تضع تصوراً واضحاً لما ستكون عليه المنشأة بعد عشر سنوات أو عشرين سنة أو حتى خمسين سنة.وتشمل هذه المخططات الملاعب الرئيسية، والمدرجات، ومواقف السيارات، والمرافق الاستثمارية، وأكاديميات الناشئين، والعيادات الرياضية، وصالات التدريب، والمساحات الخضراء، ومراكز الإعلام والتسويق، بما يضمن تناغم جميع المكونات ضمن رؤية واحدة ..أما التخطيط قصير المدى الذي يكتفي بمعالجة المشكلات الآنية، فإنه غالباً ما يؤدي إلى نتائج عكسية، حيث تتحول المنشآت الرياضية إلى مشاريع متعثرة تعاني من العشوائية والإهمال وسوء الاستغلال.ولعل أخطر ما يواجه الرياضة اليمنية اليوم ليس نقص الإمكانات وحده، بل غياب التفكير الاستراتيجي الذي يربط بين الحاضر والمستقبل، وبين الإنفاق والاستثمار، وبين البناء الرياضي والبناء الاقتصادي.إن محافظة إب بما تملكه من كثافة سكانية، وموقع جغرافي، وحضور جماهيري، وتاريخ رياضي عريق، تستحق مشروعاً رياضياً متكاملاً يليق بمكانتها. مشروعاً لا يقتصر على تغيير أرضية ملعب هنا أو ترميم مدرج هناك، بل يقوم على رؤية شاملة لبناء أندية عصرية قادرة على خدمة المجتمع والرياضة والاقتصاد المحلي في آن واحد.وعندها فقط سيتحول السؤال من: هل نزرع العشب الصناعي أم الطبيعي؟إلى سؤال أكثر أهمية وعمقاً:كيف نبني أندية رياضية يمنية نموذجية تمتلك مواردها الذاتية، ومنشآتها المتكاملة، وخططها الاستراتيجية، وتكون قادرة على صناعة الأبطال وخدمة المجتمع لعقود طويلة قادمة؟ذلك هو التحدي الحقيقي، وذلك هو الاستثمار الذي يستحق أن تتجه إليه الجهود والإمكانات والقرارات.