بقلم / أ.د أحمد العرامي *

أقيمت بطولة كأس العالم 1978 في الأرجنتين خلال واحدة من أكثر الفترات اضطراباً في تاريخ البلاد، حيث كانت السلطة العسكرية التي استولت على الحكم عام 1976 تواجه انتقادات واسعة بسبب حملات القمع والاعتقالات والاختفاء القسري، الأمر الذي جعل البطولة تتجاوز حدود المنافسة الرياضية لتصبح وسيلة سياسية ذات أهمية استثنائية. أدركت الحكومة العسكرية أن استضافة الحدث العالمي تمثل فرصة لإعادة تشكيل الصورة الذهنية للأرجنتين أمام المجتمع الدولي، فاستثمرت موارد ضخمة في تنظيم البطولة وإظهار البلاد بصورة مستقرة ومزدهرة، بينما كانت السجون السرية ومراكز الاحتجاز تعمل في الوقت ذاته على مسافات قريبة من الملاعب التي احتشدت فيها الجماهير ووسائل الإعلام العالمية.انعكس هذا المناخ السياسي على أجواء البطولة بأكملها، إذ أصبحت نتائج المباريات محاطة بتفسيرات تتجاوز الأداء الفني، وبرزت تساؤلات حول حجم الضغوط التي أحاطت بالمنتخب الأرجنتيني في طريقه إلى اللقب. وقد ظل اللقاء الذي جمع الأرجنتين بمنتخب بيرو أكثر محطات البطولة إثارة للجدل، بعدما احتاج أصحاب الأرض إلى الفوز بفارق أربعة أهداف لضمان التأهل إلى المباراة النهائية، قبل أن تنتهي المواجهة بانتصار الأرجنتين بستة أهداف دون مقابل، وهي نتيجة فتحت الباب أمام موجة طويلة من الشكوك والاتهامات بوجود تدخلات سياسية ودبلوماسية أثرت في مجريات اللقاء، خصوصاً مع الحديث عن علاقات وثيقة بين النظامين العسكريين في الأرجنتين وبيرو، وتداول روايات عن تفاهمات اقتصادية ومساعدات متبادلة صاحبت تلك الفترة. ورغم كثرة الشهادات والكتب والتحقيقات التي تناولت هذه القضية، فإن دليلاً قاطعاً يثبت وقوع اتفاق مباشر لتحديد النتيجة لم يظهر حتى اليوم، وهو ما أبقى الجدل مفتوحاً بوصفه أحد أكثر الملفات إثارة في تاريخ كأس العالم.امتد النقاش أيضاً إلى مستوى التحكيم، إذ رأى عدد من المراقبين أن بعض القرارات خلال البطولة جاءت بصورة منحت المنتخب الأرجنتيني أفضلية في لحظات مؤثرة، بينما اعتبر آخرون أن تلك القرارات تندرج ضمن الأخطاء التحكيمية المعتادة التي ترافق كرة القدم في مختلف البطولات. وقد ساهم غياب تقنيات المراجعة الحديثة آنذاك في تضخم مساحة الجدل، لأن كثيراً من الحالات التحكيمية بقيت خاضعة للتقدير البشري وحده، الأمر الذي جعل كل قرار مثير للخلاف يتحول إلى مادة للنقاش السياسي والإعلامي، خصوصاً في ظل البيئة المشحونة التي أحاطت بالبطولة.كان الإعلام بدوره جزءا من هذا المشهد المعقد، فقد سعت السلطات إلى توجيه الرسائل التي تصل إلى العالم عبر التركيز على نجاح التنظيم وحماس الجماهير والاحتفال الشعبي، في حين واجه الصحفيون والناشطون صعوبة في نقل الصورة الكاملة لما يجري داخل البلاد. ومع ذلك، تمكنت منظمات حقوق الإنسان وأسر المفقودين من استغلال الاهتمام الدولي بالبطولة لإبراز معاناتهم، فظهرت مفارقة تاريخية تمثلت في اجتماع مشاهد الاحتفال الرياضي مع مطالبات متزايدة بكشف الانتهاكات التي كانت تقع بعيداً عن عدسات الملاعب.أنتج هذا التداخل بين الرياضة والسياسة حالة جعلت كأس العالم 1978 من أكثر النسخ تعقيداً في تاريخ البطولة، حيث لم تعد المباريات تُقرأ من منظور الخطط الفنية والمهارات الفردية فحسب، وإنما من خلال شبكة واسعة من المصالح السياسية والدعاية الرسمية والضغوط الدولية. ولهذا السبب بقيت تلك النسخة حاضرة بقوة في الدراسات التاريخية والرياضية، لأنها قدمت مثالاً واضحاً على قدرة الأنظمة السياسية على توظيف الأحداث الرياضية الكبرى لتعزيز شرعيتها وصناعة رواية وطنية تخدم أهدافها، كما أبرزت في الوقت نفسه حدود هذا التوظيف عندما تصطدم الصورة الرسمية بالأسئلة التي يطرحها التاريخ والوثائق وشهادات المشاركين، لتظل بطولة 1978 رمزاً للعلاقة المعقدة بين السلطة وكرة القدم، وعنواناً دائماً للنقاش حول تأثير السياسة في نتائج البطولات، وحدود استقلالية التحكيم، ودور الرياضة في تشكيل الوعي العام خلال الأزمات الكبرى.

 

* رئيس جامعة البيضاء .