كتب / فكري قاسم 

ولدت ثورة 26 سبتمبر 1962 بقلب ابيض سموح وقالت للجماهير في اول ظهور لها :اخرجوا من الظلمات الى النور وتعايشوا جميعا بمحبة وسلام وإخاء كمواطنين يمنيين . وحددت منذ اللحظة الاولى خصمها الكهنوتي البغيض بترفع ملموس؛ وقالت للناس بكل وضوح : اسرة بيت حميد الدين بس يروحوا من البلاد .. والبقية كلهم يمنيين تحت مظلة الجمهورية والعدالة والحرية والمواطنة المتساوية ولا تفرقة ولا عنصرية ولا طائفية .  وعلى هذا الاساس تم اقصاء وطرد بيت حميد الدين - فقط - من البلاد واما بقية العائلات والبيوت " الهاشمية" التي كانت تشكل في غالبيتها الصف الثاني والثالث من منظومة حكم الأئمة السلاليين؛ فقد حافظت الثورة السبتمبرية على مكانتهم الاجتماعية والدينية وحفظت لهم كامل مكتسباتهم السابقة من بيوت وقصور واموال ولم يمسهم النظام الجمهوري الجديد بأي مكروه او اقصاء او تهميش. على اعتبار ان الثورة قد دفنت شيطان الإمامة وقضت - تماما - على رأس الحية .. وبان الجميع ؛ بموجب رحيل بيت حميد الدين من سدة الحكم اصبحوا مواطنين يمنيين . ومعروف ان 26 سبتمبر السموحة كانت قد تعرضت منذ ايامها الاولى للكثير من الخيانات الدنيئة؛ ولكنها واصلت السير على درب الجمهورية باقدام حافيات فوق حقول من الالغام والاشواك وتعرضت في منتصف عمرها للتهميش والغياب ومحو الاثر وتقليص الحضور واهملت معانيها الوطنية ودفنت رموزها الثورية وطمرت اغانيها وحكاياها التلفزيونية والآذاعية في الارشيف وفي الوجدان الشعبي ايضا بطريفة مريبة جدا وغير بريئة ؛ حتى اصبحت ثورة 26 سبتمبر بمرور الوقت مجرد ذكرى سنوية عابرة وعثيرة ويحتفى بها رسميا من باب اسقاط الواجب فقط. لكن الخديعة اللئيمة الكبرى التي لم تكن في الحسبان .. هي تلك التي ظهرت على السطح في سنة 2014 مع ظهور المليشيات الهوثية التي استثارت العرق السلالي الإمامي الدفين ونفخت فيه الروح من جديد بعد عقود من التعايش والتسامح الذين اخلص فيهما اليمنيين بشهامة وكرم وطيب خاطر .. وخانتهما بكل استكبار ودناءة ولؤم ؛ سلالة الغدر والمكيدة . وهذه الخديعة الاخيرة كانت على اية حال هي الملطام الذي صحى اليمنيين وايقظ مشاعرهم وحماسم تجاه جمهوريتهم الطيبة والاصيلة والمغمي عليها من فرط التسامح مع فئة عنصرية كهنوتية مش مؤمنة ابدا بالتعايش ولا بالمواطنة المتساوية ؛ ولا تزال اسيرة الماضي الكريه وتعتقد حتى هذه اللحظة بانها الفئة المطهرة والمختارة من الله للحكم وللسيادة على شعب اليمن وعلى ثورته وجمهوريته الانسانية النبيلة التي لا يفترض بها عموما ان تفرط في التسامح مرة اخرى . خصوصا بعد كل هذا الاجرام الذي حصل لها ؛على غفلة من ذات الفئة العنصرية الامامية الكهنوتية التي اختارت العرق والسلالة ؛مجددا ؛ على المواطنة المتساوية...وعلى التعايش بصدق وإخاء تحت مظلة الجمهورية . وجازت اليمنيبن مثلما جازى الحمار امه .