بقلم / أ.د أحمد العرامي

انطلقت بطولة كأس العالم صيف عام 1994 في الولايات المتحدة الأمريكية وسط طموحات اقتصادية وتسويقية هائلة سعت لتحويل كرة القدم إلى صناعة جماهيرية كبرى في السوق الأمريكية الجبارة. احتدت حاجة الاتحاد الدولي لكرة القدم بقيادة رئيسه البرازيلي جواو هافيلانج إلى واجهة إعلامية أسطورية تجذب أنظار العالم بأسره نحو هذه النسخة الاستثنائية، ليقع الاختيار على دييغو أرماندو مارادونا العائد من الإيقاف والمثقل بالأزمات كأداة ترويجية مثالية.استجاب الأسطورة الأرجنتينية لهذا النداء وبذل جهداً بدنياً ونفسياً خارقاً لاستعادة لياقته، مقدماً أداءً سحرياً في أولى مباريات البطولة أمام اليونان ونيجيريا، ومطلقاً صرخته الشهيرة أمام عدسات الكاميرات التي أعادت الأمل لمنتخب بلاده في معانقة الذهب مجدداً. وقعت الصدمة المدوية عقب مباراة نيجيريا حين اقتادت ممرضة شقراء نجم الأرجنتين من أرض الملعب لإجراء فحص منشطات تحول سريعاً إلى مشكلة أنهت مسيرته الدولية، حيث أعلنت النتائج وجود مادة الإيفيدرين المحظورة في دمه. شكل هذا الإعلان بداية لعاصفة من التحليلات التي أشارت بأصابع الاتهام نحو مؤامرة متعمدة دُبرت في أروقة السياسة الرياضية العليا، لاسيما مع بروز دور الدبلوماسي الأمريكي هنري كيسنجر الذي كان يشغل منصباً مؤثراً في اللجنة المنظمة للبطولة، وارتباطه الوثيق بهافيلانج ومراكز القوى في الفيفا. تتجه القراءات التحليلية العميقة لتلك الحقبة نحو وجود توافق خفي لاستغلال وهج مارادونا في الترويج المبدئي للبطولة وبيع التذاكر وضمان نسب مشاهدة فلكية، ليتم التخلص منه بدم بارد فور تأكدهم من خطورة هذا اللاعب وقدرته الحقيقية على قيادة الأرجنتين نحو اللقب وإحراج المنظومة. تضافرت جهود الاتحاد الدولي مع اللجان المنظمة لإصدار قرار سريع وحاسم بإنهاء مسيرة مارادونا في المونديال، متجاهلين كافة التبريرات الطبية التي أوضحت دخول المادة المحظورة إلى جسده عبر مكمل غذائي تناوله بحسن نية وعبر طبيبه الخاص. تركت تلك الحادثة جرحاً غائراً في تاريخ الرياضة، وتجسدت مرارتها في العبارة الخالدة التي أطلقها مارادونا باكياً بأنهم قطعوا ساقيه، لتظل تلك الواقعة دليلاً دامغاً على تداخل المصالح السياسية والتجارية مع الروح الرياضية، وكيف تم تسخير اللوائح الطبية لاغتيال مسيرة أعظم لاعبي عصره تنفيذاً لإرادة شبكة معقدة من المصالح التي أدارت اللعبة من خلف الكواليس.

 

* رئيس جامعة البيضاء .