_ لم تكن مبادرة إيران بين السعودية والحوثيين التي قدمها وزير خارجيتها هي الأولى ، فقد سبق وأن قدمت عام 2015 مبادرة النقاط الأربع عبر جواد ظريف ،وتتضمن وقف إطلاق النار وتنتهي بتشكيل حكومة وطنية تدير المرحلة الانتقالية. هناك أكثر من طوق ترميه إيران لا لإنقاذ الحوثي وحسب، بل ولمنحه فرصة تثبيت المواقع وتخفيف حدة الضغط ، وفرض وضع أمر واقع في المناطق التي تمدد فيها الحوثي بقوة السلاح. مبادرة بينه والسعودية هو مايريده الحوثي ، حيث في كل أدبياته تحدَّث عن طرفين في الصراع مليشيا صنعاء والرياض ، قافزاً على من يصفهم بالأدوات أي الحكومة الشرعية، هذه المبادرة بطابعها الثنائي تكرس هذا الطرح، وتفرغ المشكلة من محتواها اليمني اليمني، لتضفي عليها البعد الإقليمي أو السعودي الحوثي ، وإن كانت السعودية طرفاً فيها، كشريك حرب وراعي تسوية. إيران هي الأُخرى بتموضعاتها لا تقل تداخلاً بالملف اليمني ،هي من فرضت الحوثي وإغرقته بالسلاح والخبراء ، وحولته من مليشيا محلية ، محدودة القدرة والتسليح، إلى قوة ضاربة محلياً ووازنة إلى حد ما مع الجوار ، وبالتالي لا يمكن أن تخلع عن سياستها ثوب الانحياز وتلبس قميص الحياد. تحتاج إيران الحوثي تستثمر في جغرافيته السياسية، المتداخلة مع جغرافية اقتصاد دول الجوار وممرات الملاحة الدولية ، احتياج يثبِّت حضور طهران في المنطقة، ويدخلها ضمن قوى اقتسام النفوذ، ولذا هي حريصة على عدم هزيمة الحوثي وتقوية مركزه العسكري حتى والتفاوضي، حال وصلت المواجهات إلى مرحلة تسمى نضج الحرب، أي وصول الطرفان إلى التفاوض بفعل الفشل في كسر التوازنات وهزيمة احد أطراف الحرب. الموقف السعودي حتى الآن يواجه القوة بالقوة، ويسعى لخلق تحالفاته العسكرية ، ولكنه لا يغلق الباب كلياً على مسار مواز وربما البديل ، أي العودة للمسار السياسي ، وهو ما تريده أيضاً طهران ، وإن كانت مفاوضات تكريس ابتلاع الحوثي، لكل الكعكة اليمنية منفرداً وبلا شركاء. هل تضحي السعودية بشركائها في منتصف طريق الحرب وتجنح للتفاوض؟ في الأخلاق مذموم فعل هذا. وفي السياسة كل حرب تنتهي بطاولة حوار ، وكل حوار يعتمد على تبادل الأوراق ، ورقة الشرعية اليمنية بوضعها الراهن، ضمن أوراق التفاوض. ولأن السعودية دولة تدافع عن مصالحها ، وليست جمعية الأخلاق الحميدة ، فربما تضحي بالحلفاء، أو تقلل من حضورهم في سلطة ما بعد الحوار ، حال أصبحت تكاليف المضي بالحرب أكثر فداحة من اقتفاء أثر السلام.