كتب_ عثمان عمرو الغتنيني  

قبل أن تبتلعنا الشاشات كانت لنا جمهوريات من ورق نحملها بين أيدينا كأننا نحمل جواز سفر إلى المجد. وعلى رأسها كانت تقف جمهورية الصقر القطرية دولة كاملة السيادة والأركان. كان رئيسها الأستاذ سعد محمد الرميحي يديرها بحكمة وحب وحوله وزراء للكلمة من طراز رفيع محمد بنيس وزير التحليل الرصين وأيمن جادة وزير الحوار الذي لا يمل ومبارك عمر سعيد وزير الملاعب الذي كنا نرى المباراة من خلال قلمه وفائز عبد الهادي ومجدي زهران وزراء الصورة التي تنطق ومن ورائهم يقف ملك الزوم أحمد الأمين يصطاد بعدسته لقطة ناطقة تتحدث إليك وفيها كل تفاصيل الحدث من دون تقرير. ناهيك عن سفرائها المنتشرين خارج حدود دولة الصقر في كل عواصم العالم ينقلون لنا النبض من قلب الحدث. كانت دولة حقيقية لها شعب من القراء وعملة من الثقة ودستور من المهنية.وبجوارها قامت ممالك أخرى لا تقل هيبة. العربي الرياضي الكويتية كانت أكاديمية العقل الرياضي العربي وسوبر الإماراتية كانت صوت الشباب الجريء والأهرام الرياضي المصري كان ذاكرة القارة حين يكتب التاريخ.أين هي اليوم سادت ثم بادت. انهارت تلك الجمهوريات واحدة تلو الأخرى لا بقصف التكنولوجيا كما يتوهم البعض بل بخنجر الخيانة. خيانة الداعم الذي سحب يده والمعلن الذي هرب إلى سراب الأرقام والقارئ الذي استرخص الكلمة وظن أنها هواء.والمفارقة التي تكسر القلب أن الفضاء اليوم ممتلئ بصحف إلكترونية تصدر بالعشرات لكنها لا تفشي غليل عاشق كبكب رأسه منذ نعومة أظفاره على صفحات الصقر ووزرائها. ما أكثرها اليوم لكنها غثاء كغثاء السيل لا تسمن ولا تغني من جوع. عناوين مكررة ومحتوى بلا طعم وصفحات تلاحق الترند ولا تصنع مجدا. أين هيبة الرئيس الرميحي ووزرائه أين ذلك الجيش من السفراء الذين كانوا يجوبون العالم ليأتونا بالخبر اليقين.الجيل الذي تربى في كنف تلك الجمهورية لا تشبعه وجبة سريعة من سطرين على الشاشة. نحن جيل كان ينتظر الصقر كل أسبوع كما ينتظر خطاب الرئيس يقرأها ثلاثا ويحفظها في مكتبته كوثيقة دولة. فماذا نحفظ اليوم رابطا يموت وخبرا يسرق وأرشيفا بلا صاحب.لهذا تفرحنا عودة الميادين من تعز. لأنها تحاول أن تعيد شيئا من منطق الدولة للصحافة. تحاول أن تكون جمهورية لا دكان إلكتروني. تحاول أن تصنع وزراء وسفراء للكلمة لا مجرد ناقلين للخبر. لكنها ستعود لتلحق بجمهورية الصقر إن تركناها وحدها بلا شعب يحميها ودعم يسندها.إن لم ندرك أن الصحافة الحقيقية تبنيها العقول لا الخوارزميات وأن القارئ يستحق رئيسا للتحرير بحجم الرميحي ووزراء بحجم بنيس وجادة فسنبقى أمة بلا أرشيف وبلا سيادة على ذاكرتها. ادعموا ما تبقى من الجمهوريات قبل أن يحكمنا الغثاء.