لم تكن مشاركة منتخب القدامى في بطولة كأس الخليج مجرد حضور رمزي في مناسبة رياضية بل كانت فرصة لاستعادة ذاكرة الكرة اليمنية واستحضار أسماء صنعت تاريخها وامتلكت يوما القدرة على إسعاد الجماهير ورفع اسم الوطن في الملاعب. ورغم الانتقادات التي رافقت ظهور منتخبنا في هذه المشاركة فإن الإنصاف يقتضي الإشادة بخطوة الحضور مع الاعتراف بأن المستوى الذي ظهر به المنتخب لم يكن بمستوى الطموح وأن هذه التجربة كشفت عن حاجة ملحة لإعادة تنظيم واقع اللاعبين القدامى والاهتمام بهم بصورة مؤسسية ومستدامة.لقد أظهرت المشاركة بوضوح حجم الفارق بين واقع اللاعب اليمني بعد الاعتزال ونظيره في عدد من الدول الخليجية والعربية حيث يظل كثير من اللاعبين هناك على ارتباط بالملاعب من خلال الأنشطة الرياضية والأكاديميات والبطولات والبرامج التأهيلية بينما يجد اللاعب اليمني نفسه في الغالب بعيدا عن الممارسة بمجرد اعتزاله بفعل الظروف المعيشية والالتزامات الأسرية والعملية الأمر الذي يؤدي إلى تراجع لياقته البدنية وابتعاده عن أجواء المنافسة.ومن الطبيعي أن ينعكس هذا الانقطاع على مستوى الأداء فالموهبة والخبرة والتاريخ الرياضي لا تكفي وحدها لخوض منافسات تتطلب جاهزية بدنية وفنية مهما كانت الأسماء المشاركة كبيرة. ولذلك فإن تحميل اللاعبين وحدهم مسؤولية الظهور المتواضع ليس حلا منصفا بل إن المسؤولية الحقيقية تقتضي البحث عن الأسباب ومعالجتها من خلال مشروع رياضي واضح يعيد لهذه الفئة حضورها ومكانتها.ومن هنا تبرز مسؤولية الاتحاد العام لكرة القدم في تبني برنامج وطني لرعاية اللاعبين القدامى يبدأ بتخصيص يوم ثابت أسبوعيا لإقامة تجمعات تدريبية منتظمة في المحافظات الرئيسية يشرف عليها مدربون من جيل القدامى وفق برامج تتناسب مع أعمار اللاعبين وقدراتهم البدنية مع توفير الحد الأدنى من الإمكانات والمستلزمات التي تضمن استمرارية النشاط وسلامة المشاركين.ولكي لا تبقى هذه التجمعات مجرد لقاءات ودية فإن تنظيم بطولة خاصة بالقدامى كل ستة أشهر سيمثل خطوة مهمة لتعزيز الالتزام والتنافس ورفع مستوى الجاهزية كما سيسهم في خلق قاعدة واضحة لاختيار عناصر المنتخب مستقبلا وفق معايير موضوعية تستند إلى الانتظام في التدريبات والانضباط والجاهزية البدنية والفنية بعيدا عن المجاملات أو الاكتفاء بالأسماء والتاريخ.كما أن نجاح هذا التوجه يتطلب تشكيل لجنة خاصة باللاعبين القدامى تضم نخبة من نجوم الكرة اليمنية المشهود لهم بالخبرة والكفاءة تعمل بالتنسيق مع الاتحاد العام وتتولى إعداد خطة سنوية والإشراف على التجمعات والبطولات ووضع معايير الاختيار باعتبار أن أهل الميدان هم الأقدر على فهم احتياجات زملائهم وتقييم مستوياتهم بصورة عادلة.ولا ينبغي أن يقتصر الاهتمام بهذه الفئة على إعداد منتخب للمشاركات الخارجية فنجوم الأمس يمتلكون خبرات وتجارب يمكن الاستفادة منها في تطوير اللعبة واكتشاف المواهب وتوجيه الأجيال الجديدة. كما أن احتضانهم بعد الاعتزال يمثل وفاء حقيقيا لما قدموه للكرة اليمنية ويؤكد أن دور اللاعب لا ينتهي بمجرد مغادرته المستطيل الأخضر.وفي المقابل فإن على اللاعبين القدامى مسؤولية المحافظة على مكانتهم وتاريخهم من خلال الالتزام بالتدريبات والاهتمام بالصحة واللياقة وإدراك أن تمثيل الوطن شرف يتطلب الاستعداد والجدية وأن التاريخ الكبير يجب أن يكون دافعا لتقديم صورة مشرفة لا بديلا عن الجاهزية المطلوبة.إن مشاركة منتخب القدامى في كأس الخليج ينبغي ألا تنتهي عند حدود الانتقادات أو استعراض الذكريات بل يجب أن تتحول إلى نقطة انطلاق لمشروع دائم يعيد الاعتبار لهذه الكوكبة من النجوم. فالكرة اليمنية لا تحتاج إلى استدعاء رموزها عند المناسبات فقط وإنما إلى احتضانهم ورعايتهم والاستفادة من خبراتهم طوال العام.فالوفاء للنجوم القدامى لا يكون بمجرد تذكر أمجادهم والتغني بتاريخهم بل بصناعة بيئة تحفظ مكانتهم وتصون عطاءهم وتمنحهم فرصة لمواصلة الحضور. والتاريخ الرياضي لا تحميه العاطفة وحدها وإنما يحميه التنظيم والعمل المؤسسي والتخطيط السليم.