في كل مرة يعتلي فيها فتية اليمن منصات التتويج يرتجف وجدان هذا الشعب المكلوم بفرحة عارمة تشبه النجاة من الغرق فرحة تبدو وكأنها استرداد مؤقت لكرامة مسلوبة وأمل تائه في دهاليز الخيبات المتتالية. بالأمس القريب وفي كل بطولة إقليمية أو قارية يثبت هؤلاء الصغار أن تراب هذه الأرض لا ينضب عن إنجاب المعجزات يخرجون من ركام المعاناة ومن ملاعب ترابية بائسة لا تصلح حتى للمشي ليلقنوا كبار القارة دروسا في الشغف والبسالة وروح التحدي التي لا تنكسر.نراهم يذرفون دموع النصر ونبكي معهم ونحن نرى راية الوطن ترفرف عاليا نلتقط الصور نتبادل التهاني وتشتعل منصات التواصل بالمديح الزائف لكن غصة مرة تستقر في الحناجر فور انطفاء أضواء الملعب فالجميع يعلم في قرارة نفسه أن هذه الاحتفالية ليست إلا الفصل الأول من مسرحية تراجيدية مكررة لا تختلف تفاصيلها عن سابقاتها.إنها مأساة وطن يتقن إنجاب الذهب ثم يلقي به في قاع النهر بلا اكتراث إذ لا تكمن معضلة الرياضة اليمنية في شح الموهبة بل إن اليقين الراسخ لدى كل متابع منصف أن خامات الإبداع الفطري المتدفقة من أزقة اليمن وقراه تفوق ما تملكه دول ترصد المليارات وتؤسس الأكاديميات الفارهة.غير أن الفرق بيننا وبينهم هو المسافة الشاسعة بين الفوضى والاحتراف وبين التخطيط والرعونة. فماذا بعد صافرة النهاية وكأس البطولة؟ سيعود هؤلاء الأبطال إلى فنادق متواضعة وربما إلى وعود بمكافآت هزيلة تصرف بعد شق الأنفس والتقاط الصور التذكارية من قبل مسؤولين لم يقدموا طوال العام سوى الفشل والعجز ثم يغلق الملف. تعود المنظومة الرياضية، من اتحادات عاجزة ووزارات غائبة إلى سباتها العميق تاركة جيلا كاملا لمصيره المحتوم لتبدأ دورة التآكل التي تبتلع الأحلام رويدا رويدا.تعود بنا الذاكرة قسرا وبمرارة بالغة إلى "منتخب الأمل" الذي حلق ذات يوم في سماء فنلندا وكتب تاريخا كرويا هز العالم في مطلع الألفية أين ذهبت تلك الأسماء التي تنبأ لها العالم بمستقبل مشرق؟ أين تبخرت تلك الطاقات التي كان يمكن أن تصنع جيلا ذهبيا يقود الكرة اليمنية إلى مصاف النخبة لعقود؟ لقد تبددوا في وحل الإهمال وذابوا في تفاصيل الحياة القاسية والبحث عن لقمة العيش ليتحولوا إلى مجرد ذكرى شاحبة وصور معلقة على جدران النسيان واليوم نكرر الخطيئة ذاتها بعيون مفتوحة مع أجيال الناشئي